الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
288
مناهل العرفان في علوم القرآن
إذا شكت من كلال السّير واعدها * روح القدوم فتحيا عند ميعاد » أما حبّ الصحابة العميق للّه تعالى ، فلا يحتاج إلى شرح وبيان ، ولا إلى إقامة دليل وبرهان ، فهم خير القرون بنصّ حديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم « خير القرون قرني ثمّ الذين يلونهم » ، وهم الذين بذلوا نفوسهم ونفائسهم رخيصة في سبيل رضاه ، وهم الذين باعوا الدنيا بما فيها يبتغون فضلا من اللّه ، وهم الذين حملوا هداية الإسلام إلى الشرق والغرب ، وأتوا بالعجب العجاب في نجاح الدعوة الإسلامية بالحضر والبدو ، وكانوا أحرياء بامتداح اللّه إياهم غير مرة في القرآن ، وبثناء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم في أحاديث عظيمة الشأن ! وأما مظاهر حبّهم للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فما حكاه التاريخ الصادق عنهم من أنه ما كان أحد يحب أحدا مثل ما كان يحب أصحاب محمد محمدا . دم الرجل منهم رخيص في سبيل أن يفدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من شوكة يشاكها في أسفل قدمه . وماء وضوئه يبتدرونه في اليوم الشديد البرد يتبرّكون به ، وأب الواحد منهم وأبناؤه من ألدّ أعدائه ما داموا يعادون محمدا ، وحديث محمد موضع التنافس من رجالهم ونسائهم ، حتى إذا أعيا الواحد منهم طلابه ، تناوب هو وزميل له الاختلاف إلى رسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، على أن يقوم أحدهما بعمل الآخر عند ذهابه ، ويقوم الآخر برواية ما سمعه وعرفه من الرسول بعد إيابه « 1 » . وهذه وافدة النساء تقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « يا رسول اللّه غلبنا عليك الرجال ، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا ممّا علّمك اللّه » إلى غير ذلك من شواهد ومظاهر ، تدلّ على مبلغ هذا الحب السامي الشريف ، ويرحم اللّه القائل : -
--> ( 1 ) انظر باب التناوب في طلب العلم من صحيح البخاري .